محمد هادي معرفة
260
التمهيد في علوم القرآن
قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ « 1 » وربما خفي وجه مناسبة وصف نبيّهم بالحلم والرشد - وهي الكياسة ووفور العقل - مع استنكارهم عليه : كيف تمنعهم صلاته ودعاؤه من اتّباع سيرة آبائهم ، وأن يتصرّفوا في أموالهم ما يشاءون ؟ ! فلا تتناسب - ظاهرا - هذه الخاتمة مع مقصودهم في ذلك المقال الاستنكاري ! لكن المشكلة تنحلّ إذا ما عرفنا أنّ مقالهم ذاك إنما قالوه على وجه السخرية والهزء . قال الزمخشري : وأرادوا بقولهم : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ نسبته إلى غاية السفه والعيّ فعكسوا ليتهكّموا به ، كما يتهكّم بالشحيح الذي لا يبضّ حجره « 2 » . فيقال له : لو أبصرك حاتم لسجد لك ! وقيل : معناه إنك للمتواصف في قومك بالحلم والرشد ، يعنون : أنّ ما تأمر به لا يطابق حالك وما شهرت به « 3 » . الحلم : التؤدة والأناة ، ضدّ الطيش . والرشد : البصيرة في تدبير المعاش والقدرة على التصرّف في الأموال وفق الأصول . فالمعنى : إن كنت ذا حلم فكيف تمنعنا عن السير على منهج الآباء ، وهو مقتضى العقل أن لا يعدل الانسان عمّا جرّبته الأسلاف ؟ ! وإن كنت رشيدا في عقلك فكيف تمنعنا عن التصرّف في أموالنا حسب إرادتنا ، والناس مسلّطون على أموالهم ، يتصرّفون فيها ما يشاءون ، وهي قاعدة عقلائية توافقت عليها العقلاء ؟ ! وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 4 »
--> ( 1 ) هود : 87 . ( 2 ) يقال في المثل : ما يبضّ حجره أي ما تندّى ، من بضّ الماء بضيضا : إذا سال . ( 3 ) الكشاف : ج 2 ص 420 . ( 4 ) البقرة : 29 .